محمد متولي الشعراوي

2851

تفسير الشعراوى

أردتم راحة أنفسكم لآمنتم بالتعقل ، تعقل أن هناك طارقا بالباب ، ثم تتركون للطارق أن يعلن عن نفسه ويقول لكم : أنا فلان واسمى كذا وصفتي كذا وجئت إليكم من أجل كذا ، وبذلك نتفق جميعا . لكن الفلاسفة أدخلوا التصور في التعقل . ولا يمكننا أن نعرف اسم الخالق بالعقل أبدا ولا مطلوبه . بل لا بد أن يبلغ عن نفسه ، فإذا انشغل العفل بأن هذا الكون العظيم لا بد له من قوة خالقة ، فلماذا لا تبلغنا عن نفسها ؟ . وإذا ما جاء رسول من أجل أن يحل اللغز الوجودي الذي يعيشه البشر فيبلغنا أن القوة الخالقة اسمها اللّه . هنا أراح الحق النفس البشرية بما كانت تتمنى أن تعرفه ، ومن عقل العاقل أن يفرح بمجىء الرسول ويستشرف إلى السماع عنه ؛ لأن الرسول إنما جاء يحل اللغز الشاغل للنفس البشرية من تفسير من خلق الكون بهذه الدقة ، وما هي مطلوبات هذه القوة ؟ ويحسم الرسول الخلاف عندهم ويحل اللغز الشاغل للبال . ولذلك نرى الإمام عليا - كرم اللّه وجهه - أمام سؤال من أحدهم : - أعرفت محمدا بربك ؟ أم عرفت ربك بمحمد ؟ . فأجاب الإمام علىّ وكان باب العلم : لو عرفت ربى بمحمد لكان محمد أوثق عندي من ربى ، ولو عرفت محمدا بربى لما احتجت إلى رسول ، ولكني عرفت ربى بربى وجاء محمد فبلغني مراد ربى منى . هكذا حدد لنا سيدنا علىّ المسألة . . فالعقل الفطري يؤمن بقوة مبهمة وراء هذا الكون هي التي خلقت وهي التي رزقت وهي التي أمدت بقيوميتها وقدرتها ، وبعد ذلك تجىء الرسل من أجل تعريفنا باسم القوة ومطلوبها منا . والذين يختلفون حول دور العقل في الحجة ودور الرسول في الحجة ، عليهم ألا يتوهوا في متاهات نحن في غنى عنها ؛ لأن العقل لا يمكن أن يكون الحجة بمفرده ، والرسول إنما هو مبلغ عن القوة ، وقد يقول قائل : إذن لا بد لكل رسول من رسول ، وقد يبلغ التفلسف الطريق المسدود .